سلطت مجلة "هورن ريفيو"، الضوء على منطقة العوينات التي تمتد على مساحة 1500 كيلومتر مربع، وتتوسطها قمة جبل العوينات الشامخة التي يبلغ ارتفاعها 1934 مترًا، لتشكل نقطة التقاء جغرافية بين مصر وليبيا والسودان.

 

وقالت إن استيلاء قوات الدعم السريع على مثلث العوينات في يونيو 2025 شكل نقطة تحوّل حاسمة في الوضع الإقليمي الراهن، إذ نقل مركز ثقل الحرب الأهلية السودانية من شوارع الخرطوم إلى حدود الصحراء، وأمّنت قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) منفذًا لوجستيًا يربط مناجم الذهب في دارفور بالأسواق الدولية عبر الشبكات الليبية.

 

وربطت بين هذا التحوّل التكتيكي وما أسمته بـ "التعاون الانتهازي" لقوات خليفة حفتر، لا سيما عبر منطقة الجفرة، حيث لا يمثل المثلث لقوات الدعم السريع، مجرد مكسب إقليمي، بل محرك حرب مستدام، فهو يُوفّر التمويه اللازم للقوافل التي تنقل الوقود والأسلحة والمرتزقة، والتي غالبًا ما تدعمها شبكات موالية للإمارات، مما يسمح للميليشيا بالحفاظ على آلة عسكرية مرنة محصنة إلى حد كبير ضد العقوبات الدولية التقليدية والحصار الذي تفرضه القوات المسلحة السودانية.

 

وأضافت: "تُعدّ منطقة العوينات نقطة التجميع الرئيسة للذهب الحرفي المُهرّب من دارفور، والذي يُغسل بعد ذلك عبر طرق محمية من قِبل الجيش الوطني الليبي إلى ليبيا (قوات حفتر)، قبل أن يصل إلى مصافي التكرير في الإمارات العربية المتحدة". 

 

عوائد مالية ضخمة

 

وتشير التقديرات إلى أن هذه العمليات تُدرّ مئات الملايين من الدولارات سنويًا، مما يُنشئ استقلالاً ماليًا يُعقّد جهود السلام بترسيخه حوافز اقتصادية لاستمرار عدم الاستقرار.

 

وذكرت المجلة أن غموض هذه التدفقات يقوض إمكانية التتبع العالمي، إذ يوفر المثلث الحدودي الحيز المادي اللازم لتحويل المعادن المتنازع عليها إلى رأس مال مشروع. وقد أدى هذا البعد الاقتصادي إلى فجوة عميقة بين مصالح الإمارات العربية المتحدة الاستخراجية ومتطلبات مصر الأمنية التي تتمحور حول الدولة، مما يوضّح كيف يمكن للثروات الطبيعية في المناطق الحدودية الهشة أن تهدم الاستقرار الإقليمي.

 

واعتبرت "هورن ريفيو"، أن تصاعد التوتر بين القاهرة وعائلة حفتر خلال أواخر عام 2025 وحتى يناير 2026 يكشف عن اختلاف جوهري في نظرة القوى الإقليمية إلى قوات الدعم السريع، فبينما ينظر خليفة حفتر وابناه، صدام وخالد، إلى قوات الدعم السريع كشركاء استراتيجيين قادرين على تسهيل طرق التهريب المربحة، تنظر مصر إلى هذه الجماعة شبه العسكرية كتهديد وجودي لأمنها القومي.

 

وبلغ هذا التوتر ذروته في 9 يناير 2026، عندما شنّ سلاح الجو المصري غارات جوية غير مسبوقة على قافلة لقوات الدعم السريع داخل المثلث، مدمرًا مركبات مدرعة وناقلات وقود تابعة لإمدادات قوات حفتر.

 

ومثّلت هذه الضربات شكلاً من أشكال الدبلوماسية العسكرية، موجهةً رسالةً إلى حفتر وداعميه في أبو ظبي مفادها أن مصر لن تتسامح بعد الآن مع استخدام ليبيا كأداة لزعزعة الاستقرار، بحسب التقرير. 

 

أمن النيل


ووفقًا للتقرير، فإن تركيز القاهرة الاستراتيجي على مثلث العوينات ينبع من "مبدأ أمن النيل" الذي يُعطي الأولوية لسيطرة مصر على موارد النهر، متجاوزًا بكثير ديناميكيات الحرب الأهلية السودانية الظاهرة. ويتغذى هذا المبدأ على قلق عميق إزاء أي اضطرابات محتملة في تدفق النيل، الذي يُعدّ شريان الحياة للزراعة والاقتصاد والسكان في مصر.

 

وبحسب التقديرات، فإن مصر تنظر إلى انتصار قوات الدعم السريع على أنه تحول خطير قد يُعزز موقف إثيوبيا في النزاع الطويل الأمد حول سد النهضة الإثيوبي، مما قد يُغير توزيع المياه بطرق تُهدد سيطرة مصر التاريخية. 

 

وأشارت المجلة إلى أن العلاقات البراجماتية لقوات الدعم السريع مع أديس أبابا تثير مخاوف في القاهرة من أن يؤدي تحالف سوداني بقيادة ميليشيات إلى تفكك التحالف التقليدي بين القاهرة والخرطوم بشأن قضايا المياه، مما يُعرّض مصر لقرارات من دول المنبع قد تُقلص حصتها من مياه النيل.

 

ويدفع هذا القلق الكامن الاستراتيجيين المصريين إلى اعتبار مثلث العوينات نقطة نفوذ حاسمة على المناطق الداخلية للسودان، حيث يُنظر إلى الحفاظ على النفوذ كضرورة لمواجهة التقدم الإثيوبي. 

 

ويُعتبر السماح لقوة الدعم السريع بالسيطرة على المنطقة في القاهرة بمثابة خطر على النفوذ الإثيوبي المتزايد على النيل، مما دفع مصر إلى تصوير هذه القوات شبه العسكرية كتهديد بالوكالة يجب تحييده للحفاظ على السيطرة على المنبع. 

 

التحركات العسكرية المصرية في المثلث الحدودي

 

ونتيجة لذلك، رأت "هورن ريفيو"، أن التحركات العسكرية المصرية في المثلث الحدودي، بما في ذلك الغارات الجوية على قوافل الدعم السريع تشكل حاجزًا حازمًا يهدف إلى الحد من المكاسب الإقليمية لإثيوبيا وتعزيز إشراف القاهرة على التطورات المتعلقة بالنيل، حتى لو كان ذلك على حساب تصعيد التوترات.

 

ومما يزيد الأمر تعقيدًا نظرة مصر إلى "حزام النار"، حيث يُفاقم تطويقها من قِبل جيران مضطربين وتحالفات متطورة المخاوف بشأن أمن المياه، ويُصوّر أي زعزعة للاستقرار على أنها خطر مباشر على النيل. ويُفسّر توغل قوات الدعم السريع في ولاية شمال السودان عبر العوينات على أنه ثغرة قد تُعزز بشكل غير مباشر المواقف الإثيوبية، مما يُهدد المناطق التي تعتمد عليها مصر كمناطق عازلة لمصالحها. 

 

ومن خلال هذه التدخلات، تسعى القاهرة إلى فرض سيطرتها على هذه الحدود، وغالبًا ما تُعطي الأولوية لاحتواء النفوذ الإثيوبي على حساب الاستقرار التعاوني، الأمر الذي يُنذر بتأجيج الانقسامات الإقليمية، وفق التقرير.

 

زيارة صدام حفتر إلى القاهرة

 

وذكرت المجلة أن هذا الموقف تجلى بوضوح في زيارة صدام حفتر إلى القاهرة في يناير 2026، والتي جاءت مباشرةً بعد الغارات الجوية المصرية، في إشارة إلى محاولة الضغط على شخصيات ليبية للتحالف ضد خصوم مشتركين. 

 

ومن خلال حثّها على التحوّل من عمليات الذهب المرتبطة بالإمارات إلى تلبية المطالب الأمنية المصرية، تستغل القاهرة هذه الدبلوماسية لتعزيز قبضتها، إذ تنشر طائرات مسيّرة متطورة وتُعسكر صحراء العوينات جنوب غرب البلاد لمراقبة الحدود الغربية لشمال السودان وسط صراعات القوات المسلحة السودانية.

 

بالإضافة إلى ذلك، أصبح مثلث العوينات مركزًا لاختبار قدرة مصر على إدارة ديناميكيات الدولة والجماعات شبه العسكرية في منطقة الساحل، حيث تتجلى المخاوف بشأن النيل في مساعي السيطرة على موارد رئيسية مثل طبقة المياه الجوفية في الحجر الرملي النوبي والرواسب المعدنية. 

 

وباعتبارها ممرًا حيويًا لعبور الصحراء وبسط النفوذ، تُعزز هذه المنطقة سعي القاهرة للهيمنة، مما يؤدي إلى تحالفات مع السعودية والصومال لعرقلة إمدادات قوات الدعم السريع وتحويل مسارها.

 

في نهاية المطاف، رأت "هورن ريفيو" مثلث العوينات يُمثّل بوتقةً تُحسم فيها مستقبل الدولة المصرية والنظام الصحراوي الأوسع. ويُشير التحوّل من التحذيرات الدبلوماسية إلى التدخل العسكري الفعلي إلى أن نافذة التوصل إلى تسوية تفاوضية تشمل قوات الدعم السريع تضيق في نظر القاهرة. وقد أثبت هذا التقاطع الصحراوي النائي أنه في عصر الأزمات المترابطة، لا توجد منطقة هامشية حقًا.

https://hornreview.org/2026/01/21/uwaynat-on-the-line-libya-sudan-and-egypt-fight-over-the-saharas-shadow-economy/